فصل: ذكر دارا وأولاده

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ذكر قصة تبع

ثم ملك من بعده تُبًع بن زيد بن عمرو بن تبع بن أبرهة بن ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ‏.‏

وكان تبع هذا في أيام بشتاسب وبهمن وأنه شخص متوجهًا من اليمن حتى خرج على جبلي طيء ثم سار يريد الأنبار فلما انتهى إلى موضع الحيرة تحير وذلك في الليل فأقام مكانه فسمي ذلك الموضع الحيرة‏.‏

ثم سار وخلف به قومًا من الأزد ولخم وجُذام وعاملة وقضاعة فبنوا وأقاموا به ثم توجه إلى الأنبار ثم إلى الموصل ثم أذربيجان فلقي الترك بها فهزمهم وقتل المقاتلة وسبى الذرية ثم انكفأ راجعًا إلى اليمن فهابته الملوك وأهدت إليه ثم غزا الصين فاكتسح ما فيها وقتل مقاتلتها‏.‏

أنبأنا يحيى بن ثابت بن بندار قال‏:‏ أخبرنا أبي قال‏:‏ أخبرنا أبو علي بن دوما قال‏:‏ أخبرنا مخلد بن جعفر قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي القطان قال‏:‏ أخبرنا إسماعيل بن عيسى العطار قال‏:‏ أخبرنا إسحاق بن بشر قال‏:‏ حدثنا علي بن عاصم قال‏:‏ أخبرني عمران بن حدير عن أبي مجلز قال‏:‏ جاء ابن عباس إلى عبد اللّه بن سلام فسأله فقال‏:‏ سمعت الله تعالى يذكر تبعًا فلم يذمه وذم قومه فقال‏:‏ نعم إن تبعًا غزا بيت المقدس فسبى أولاد الأحبار فقدم بهم على قومه فأعجب بفتية منهم فجعل يدنيهم ويسمع منهم وجعل الفتية يخبرونه عن اللّه عز وجل وما في الآخرة فأعجب بهم فتكلم قومه فقالوا‏:‏ إن هؤلاء الفتية قد غلبونا على تبع ونخاف أن يدخلوه في دينهم‏.‏

فبلغ تبعًا ما يقول قومه فأعلم الفتية بذلك فقالوا‏:‏ بيننا وبينهم النصيف قال‏:‏ وما هو قالوا‏:‏ النار التي تحرق الكاذب ويبرأ فيها الصادق‏.‏

فأرسل إلى أحبار قومه فأدخلهم عليه فقال‏:‏ اسمعوا ما يقول هؤلاء قالوا‏:‏ وما يقولون قال‏:‏ يقولون إن لنا ربًا خلقنا وإليه نعود وان بين أيدينا جنة ونارًا فإن أبيتم علينا فإن بيننا وبينكم فمر الفتية في النار وخرجوا منها فاختار تبع من قومه عدتهم فقال‏:‏ ادخلوها فلما دخلوها أحرقتهم فأسلم تبع وكان رجلًا صالحًا فذكره الله تعالى ولم يذمه وذم قومه‏.‏

وروى سفيان عن قتادة قال‏:‏ كان تبع رجلًا من حمير سار بالجنود حتى أتى الحيرة ثم أتى سمرقند فهدمها‏.‏

أخبرنا ابن الحصين قال‏:‏ أخبرنا ابن المذهب قال‏:‏ أخبرنا القطيعي قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ حدثنا حسن بن موسى قال‏:‏ حدثنا ابن لهيعة قال‏:‏ حدثنا أبو زرعة عمرو بن جابر عن سهل بن سعد قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ لاتسبوا تبعًا فإنه قد كان أسلم ‏"‏‏.‏

وقال أبو الحسين بن المنادي‏:‏ ليس ببعيد أن يكون قوم تبع نسبوا إليه لأنه نبي‏.‏

وقد ذهب قوم إلى أنه كان في الفترة بعد عيسى والله أعلم‏.‏

ذكر خبر أردشير وابنته خماني قال علماء السير‏:‏ وجرت لبشتاسب حروب عظيمة مع الترك وغيرهم ومات وكان ملكه مائة واثنتي عشرة سنة وقيل مائة وخمسين‏.‏

وملك بعد بشتاسب ابن ابنه بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب فلما عقد التاج على رأسه قال‏:‏ نحن محافظون على الوفاء ودائنون برعيتنا بالخير وكان يدعى أردشير الطويل الباع‏.‏

وإنما قيل له ذلك لتناوله كل ما يمد يده إليه من الممالك التي حوله حتى ملك الأقاليم كلها‏.‏

وابتنى بالسواد مدينة وسماها آبادان وابتنى الأبُلّة‏.‏

وهو أبو دارا الأكبر وأبو ساسان أبي ملوك الفرس الآخر‏.‏

وكانت أم بهمن من أولاد طالوت وأم ولده من أولاد سليمان بن داود‏.‏

وتفسير بهمن بالعربية‏:‏ الحسن النية وأنه ولى في زمانه على بيت المقدس جماعة ثم ولى كيرش العيلمي من ولد عيلم بن سام بن نوح وكتب إليه أن يرفق ببني إسرائيل وأن يطلق لهم النزول حيث أحبوا وأن يولي عليهم من يختارونه فاختاروا دانيال النبي صلى الله عليه وسلم فولى أمرهم‏.‏

 ذكر دانيال عليه السلام

لما تمت عمارة بيت المقدس سأل أرميا ربه عز وجل أن يقبضه إليه فمات وأنقذ اللّه بني إسرائيل من أرض بابل على يدي دانيال‏.‏

وكان دانيال ممن سباه بخت نصر في تخريب بيت المقدس فرمى به في جب مغلولًا في فلاة من الأرض وألقى معه سبعَين وأطبق عليه الجب فبقى تسعة أيام‏.‏

فأوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل‏:‏ انطلق فاستخرج دانيال من الجب فقال‏:‏ يا رب من يدلني عليه قال‏:‏ يدلك عليه مركبك فركب أتانًا له فخرج يطوف فقال‏:‏ يا صاحب الجب فأجابه دانيال فقال‏:‏ قد أسمعت فما تريد قال‏:‏ أنا رسول الله إليك لأستخرجك من هذا الموضع فقال دانيال‏:‏ الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره والحمد لله الذي لا يَكِل من توكَلَ عليه إلى غيره والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانًا وبالإساءة غفرانًا‏.‏

ثم استخرجه والسبعان يمشيان معه فعزم عليهما دانيال أن يرجعا إلى الغيضة‏.‏

وقد روينا أن بخت نصر اتخذ صنمًا وأمر بالسجود له فلم يسجد دانيال وأصحابه فأمر بهم فألقوا في أتون فلم يحترقوا‏.‏

أنبأنا يحيى بن ثابت بن بندار قال‏:‏ أخبرنا أبي قال‏:‏ أخبرنا ابن دوما قال‏:‏ أخبرنا مخلد بن جعفر قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي القطان قال‏:‏ أخبرنا إسماعيل بن عيسى العطار قال‏:‏ حدثنا أبو حذيفة القرشي قال‏:‏ حدثنا سعيد بن بشر عن قتادة عن كعب قال‏:‏ كان سبب استنقاذ بني إسرائيل من أرض بابل أن بخت نصر لما صدر من بيت المقدس بالأسارى وفيهم دانيال وعزير فاتخذ بني إسرائيل خولًا زمانًا طويلًا وإنه رأى رؤيا فزع منها فدعا كهنته وسحرته فأخبرهم بما أصابه من الكرب في رؤياه وسألهم أن يعبروها فقالوا‏:‏ قصها علينا قال‏:‏ قد أنسيتها فأخبروني بتأويلها قالوا‏:‏ لا نقدر حتى تقصها فغضب وقال‏:‏ قد أجلتكم ثلاثة أيام فإن أتيتموني بتأوبلها وإلا قتلتكم‏.‏

وشاع ذلك في الناس فبلغ دانيال وهو محبوس فقال لصاحب السجن‏:‏ هل لك أن تذكرني للملك فإن عندي علم رؤياه وإني أرجو أن تنال بذلك عنده منزلة فقال له‏:‏ إني أخاف عليك سطوة الملك لعل غم السجن حملك على أن تروح بما ليس عندك فيه علم قال دانيال‏:‏ لا تخف عليً فإن لي ربًا يخبرني بما شئت من حاجتي‏.‏

فانطلق صاحب السجن فأخبر بخت نصر بذلك فدعا دانيال فدخل ولا يدخل عليه أحد إلا سجد له فوقف دانيال ولم يسجد فقال الملك لمن في البيت‏:‏ اخرجوا فخرجوا فقال‏:‏ ما منعك أن تسجد لي قال‏:‏ إن لي ربًا أتاني هذا العلم على أن لا أسجد لغيره فخشيت أن أسجد لك فينسلخ عنيِ العلم ثم أصير في يديك أميًا لا تنتفع بىِ فتقتلني فرأيت ترك السجدة أهون من القتل وخطر سجدة أهون من الكرب الذي أنت فيه فتركت السجود نظرًا إلى ذلك‏.‏

فقال بخت نصر‏:‏ لم يكن قط أوثق في نفسي منك حيث وفيت لإلهك وأعجب الرجال عندي الذين يوفون لأربابهم بالعهود فهل عندك علم بهذه الرؤيا التي رأيت قال‏:‏ نعم عندي علمها وتفسيرها‏.‏

قال‏:‏ رأيت صنمًا عظيمًا رجلاه في الأرض ورأسه يمس السماء أعلاه من ذهب ووسطه من فضة وأسفله من نحاس وساقاه من حديد ورجلاه من فخار فبينا أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه وأحكام صنعته قذفه الله بحجر من السماء فوقع على قبة رأسه فدقه حتى طحنه فاختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره حتى يخيل اليك أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك ولو هبت الريح لأذرته‏.‏

ونظرت إلى الحجر الذي قذف به يربو ويعظم وينتشر حتى ملأ الأرضين كلها فصرت لا ترى إلا السماء والحجر‏.‏

قال له بخت نصر‏:‏ صدقت هذه الرؤيا التي رأيت فما تأويلها‏.‏

قال‏:‏ أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان وفي أوسطه وفي آخره‏.‏

وأما الذهب فهذا الزمان وهذه الأمة التي أنت فيها وأنت ملكها‏.‏

وأما الفضة ابنك من بعدك يملكها وأما النحاس فإنه الروم وأما الحديد ففارس‏.‏

وأما الفخار فأمتان تملكهما امرأتان إحداهما في مشرق اليمن والأخرى في غربي الشام‏.‏

وأما الحجر الذي قذف به الصنم حذف الله به هذه الأمم في آخر الزمان فيظهر عليها حتى يبعث نبي أمي من العرب فيدوخ به الأمم والأديان كما رأيت الحجر دوخ أصناف الصنم ويظهره على الأديان والأمم كما رأيت الحجر ظهر على الآرض وانتشر فيها حتى ملأها فيحق الله به الحق ويزهق به الباطل ويعز به الأذلة وينصر به المستضعفين‏.‏

فقال له بخت نصر‏:‏ ما أعلم أحدًا استفتيت به منذ وليت الملك على شيء غلبني غيرك ولا لأحد عندي يد أعظم من يدك وأنا أجازيك بإحسانك فاختر من ثلاث خلال أعرضهن عليك‏:‏ إن أحببت أن أردك إلى بلادك وأعمر لك كل شيء خربته وإن أحببت كتبت لك أمانًا تأمن به حيث ما ملكت وإن أحببت أن تقيم معي فأواسيك‏.‏

قال دانيال‏:‏ أما قولك تردني إلى بلادي وتعمر لي ما خربت فإنها أرض كتب الله عز وجل عليها الخراب وعلى أهلها الفناء إلى أجل معلوم فليس تقدر علي أن تعمر ما خرب الله ولا ترد أجلًا أجله الله حتى يبلغ الكتاب أجله وينقضي هذا البلاء الذي كتب الله على إيليا وأهلها‏.‏

وأما قولك أن تكتب لي أمانًا آمن به حيث ما توجهت فإنه لا ينبغي لي أن أطلب مع أمان الله أمان مخلوق‏.‏

وأما ما ذكرت من مواساتك فإن ذلك أرفق لي يومي هذا حتى يُقضى فينا قضاء‏.‏

فجمع بخت نصر ولده وحشمه وأهل العلم والرأي من أهل المملكة فقال لهم‏:‏ هذا رجل حكيم قد فرج اللهّ به عني الكرب الذي عجزت عنه وإني رأيت أن أوليه أمركم فخذوا من أدبه وحكمته وأعظموا حقه فإذا جاءكم رسولان أحدهما مني والآخر من دانيال فآثروا حاجته على حاجتي‏.‏

قال‏:‏ فنزل منه دانيال أفضل المنازل فجعل تدبير ملكه إليه فلما رأى ذلك عظماء أهل بابل حسدوا دانيال فاجتمعوا إلى بخت نصر فقالوا له‏:‏ لم يكن على الأرض ملك أعز من ملكنا ولا قوم أهيب في صدور أهل الأرض منا حتى دانت لنا الأرض والأن قد طمعوا فينا منذ قلدت ملكك هذا العبد الإسرائيلي فقال أتنقموني إِني عمدت إلى أحكم أهل الأرض فاستعنت به‏.‏

ثم ان بخت نصر هلك ببعوضة سلطت عليه وملك مكانه ابنه بلطا فبطش بطش الجبارين وكان يشرب الخمر في آنية مسجد بيت المقدس التي غنمها أبوه فنهاه دانيال ثم قال له‏:‏ إنك تقتل إلى ثلاثة ويسلب الله ملكك فدخل بيته وأغلق بابه ودعى أوثق الناس عنده وقال‏:‏ الزم عتبة بابي فلا يمر بك أحد في هذه الأيام الثلاثة إلا قتلته وإن قال إني أنا الملك‏.‏

فلما مضت الأيام الثلاثة قام الملك فخرج من الباب فرحًا فمر بالحارس فقام الحارس فضربه بالسيف وهو يقول‏:‏ أنا الملك فيقول‏:‏ كذبت فقتله‏.‏

ورجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس فمكثوا بأحسن حال حتى مات دانيال ثم كثرت فيهم الأحداث والبغي فسلط الله عليهم أرطاصوس فقتل وسبى‏.‏

وهذا دانيال من بني إسرائيل وهو مدفون بالسوس ولما فتح أبو موسى السوس دل على جثة دانيال فقام رجل إلى جثته فكانت ركبة دانيال محاذية رأسه وليس بدانيال الأكبر فإن ذاك كان بين نوح وإبراهيم وقد سبق ذكره‏.‏

 ذكر الملوك بعد ذلك

وتوفي بهمن وكان ملكه مائة واثنتي عشرة سنة وقيل ثمانين سنة‏.‏

ثم ملكت بعده ابنته خماني واختلفوا في سبب تمليكهما‏.‏

فقال بعضهم‏:‏ إنما ملكوها لعقلها ونجدتها وإحسان أبيها إليهم‏.‏

وقال آخرون‏:‏ كانت حاملًا من أبيها بهمن بدار الأكبر فسألت أباها أن يعقد له التاج وهو في بطنها ففعل‏.‏

وكان ساسان من امرأة أخرى وكان حينئذ رجلًا ينتظر الملك لا يشك فيه فلما فعل أبوه ذلك لحق بإصطخر وتزهد وتعبد في رؤس الجبال واتخذ غُنَيْمة فكان يتولاه بنفسه‏.‏

وقيل‏:‏ إن خماني ولدت بعد أشهر من ملكها فأخفت من إظهار الولد فجعلته في تابوت وصيرت معه جوهرًا نفيسًا وأجرته تحت نهر من أنهار إصطخر وقيل من أنهار بلخ فوقع التابوت إلى رجل طحان من أهل إصطخر فأخذه ورباه وظهر أمره حين شب وأقرت خماني بإساءتها إليه وتعريضها إياه للتلف فلما تكامل امتحن فوجد على غاية ما يكون عليه أبناء الملوِك فحولت التاج عن رأسها إليه وتقلد أمر المملكة وتنقلت خماني إلى فارس وبنتْ مدينة إصطخر وقمعت الأعداء ومنعتهم من بلادها وأغزت أرض الروم فسبى سبي كثير فأمرت أن يبنى لها في كل موضع بنيانًا منيفًا فأحد ذلك البنيان في مدينة إصطخر‏.‏

والثاني على المدرجة التي يسلك فيها إلى دار بجرد على فرسخ من المدينة‏.‏

والثالث على أربعة فراسخ منها في المدرجة التي تسلك فيها إلى خراسان‏.‏

وإنها أجهدت نفسها في طلب مرضاة الله تعالى‏.‏

وكان ملكها ثلاثين سنة‏.‏

وكان بعض ملكها في زمن كيرش العيلمي الذي ذكرنا آنفًا أنه تولى بيت المقدس على بني إسرائيل‏.‏

وعاشت خماني بعد هلاك كيرش ستًا وعشرين سنة وكانت مدة خراب بيت المقدس من لدن خربه بخت نصر إِلى أن عمر سبعين سنة بعضها في أيام بهمن وبعضها في أيام خماني‏.‏

 ذكر دارا وأولاده

فلما ملك دارا بن بهمن بن إِسفنديار بن بشتاسب وكان ضابطًا لملكه قاهرًا لمن حوله من الملوك فابتنى بفارس مدينة سماها دارا بجرد وولد له ولد فأعجب به فسماه دارا باسم نفسه وصير له الملك من بعده فملك اثنتي عشرة سنة‏.‏

ثم ملك ابنه دارا بن دارا بن بهمن فأساء السيرة في رعيته وقتل رؤساءهم فغزاه الإسكندر بن فيلبوس اليوناني وقد ملَّه أهل مملكته فلحق كثير منهم بالإسكندر فأطلعوه على عورة دارا وقووه عليه فالتقيا ببلاد الجزيرة فاقتتلا سنة ثم أن رجالًا من أصحاب دارا وثبُوا به فقتلوه وتقربوا برأسه إلى الإسكندر فأمر بقتلهم وقال‏:‏ هذا جزاء من اجترأ على ملكه‏.‏

وتزوج ابنته روشنك بنت دارا وغزا الهند ومشارق الأرض ثم انصرف وهو يريد الإسكندرية فهلك بناحية السواد فحمل إلى الإسكندرية في تابوت من ذهب‏.‏

وكان ملكه أربع عشرة سنهَ وقيل كان ملك دارا أربع عشرة سنة أيضًا واجتمع ملك الروم وكان قبل الإسكندر متفرقًا وتفرق ملك فارس وكان قبل الإسكندر مجتمعًا‏.‏

 ذكر هلاك دارا بن دارا

إن دارا بن دارا لما مَلَك وكان فيلبوس أبو الأسكندر اليوناني قد ملك بلادًا من بلاد اليونانيين فصالح دارا على خراج يحمل إِليه في كل سنة ثم ملك ابنه الإسكندر فلم يحمل الخراج فغضب دارا وكتب إليه يوبخه وبعث إليه بصولجان وكرة وقفيز من سمسم وقال فيما كتب إليه‏:‏ أنت صبي ينبغي أن تلعب بالصولجان وإنك إن استعصيت بعثت إليك من يأتيني بك في وثاق وإن عدة جندي كعدة حب السمسم الذي بعثت به‏.‏

فكتب إليه الإسكندر أنه قد فهم كتابه وتيَمّن بإرساله الصولجان والكرة لإلقاء الملقي الكرة إلى الصولجان واحترازه إياها ويشبه الأرض بالكرة وإنه محيز ملك دارا إلى ملكه وبلاده إلى حيزه من الأرض‏.‏

وإنه تيمن بالسمسم لدسمه وبعده عن المرارة والحرافة‏.‏

وبعث إلى دارا بِصُرةٍ من خردل فهي تجمع الكرة والحرافة والمرارة‏.‏

فلما وصل إليه الكتاب جمع جنده وتأهب لمحاربة الإسكندر وتأهب الإسكندر وسار نحو بلاد دارا‏.‏

فالتقيا فاقتتلا أشد القتال وصارت الدّبْرة على جند دارا‏.‏

فلما رأى ذلك رجلان من حرس دارا طعناه من خلفه فوقع ليحظيا عند الإسكندر‏.‏

ونادى الإسكندر‏:‏ أن لا يقتل دارا‏.‏

ثم سار حتى وقف عليه فرآه يجود بنفسه فنزل الإسكندر عن دابته وجلس عند رأسه وأخبره أنه ما هم قط بقتله وأن الذي أصابه لم يكن عن رأيه وقال له‏:‏ سلني ما بدا لك فقال دارا‏:‏ إليَ لك حاجتان‏:‏ إحداهما أن تنتقم لي من الرجلين اللذين فتكا بي والأخرى أن تتزوج ابنتي روشنك‏.‏

فأجابه وصلب الرجلين وتوسط بلاد دارا فكان له ملكه‏.‏

وقال آخرون‏:‏ كان ملك الروم في أيام دارا الأكبر يؤدي إلى دارا الخراج فلما هلك ملك الإسكندر وكان ذا حزم ومكر فمن مكره أنه خرج في بعض الحروب من صف أصحابه وأمر من نادى‏:‏ يا معشر الفرس قد علمتم ما كتبنا لكم من الأمان فمن كان منكم على الوفاء فليعتزل العسكر وله منا الوفاء‏.‏

فاتهمت الفرس بعضها بعضًا فكان أول اضطراب حدث فيهم‏.‏

وتلقاه بعض ملوك الهند بألف فيل عليها السلاح وفي خراطيمها السيوف فلم تقف دواب الإسكندر فأمر باتخاذ قلة من نحاس مجوفة وربط خيله بين تلك التماثيل حتى التقيا ثم أمر فملئت نفطًا وكبريتًا وألبسها الدروع وجرت على العجل إلى المعركة وبين كل تمثالين منها جماعة من أصحابه‏.‏

فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النيران في أجواف التماثيل فلما حميت انكشفت أصحابه عنها فغشيتها الفيلة فضربتها بخراطيمها فتشيطت فولت مدبرة راجعة على أصحابها فصارت وغزا الإسكندر بعض ملوك المغرب فظفر به فآنس لذلك من نفسه القوة فنشز على دارا الأصغر وامتنع عما كان يحمله إليه وكان الخراج الذي يؤديه آل الإسكندر إلى ملوك الفرس بيضًا من ذهب ألف ألف بيضة في كل بيضة مائة مثقال‏.‏

فلما امتنع الإسكندر أن يبعث كتب إليه دارا يطالبه‏.‏

فكتب إليه‏:‏ إني قد ذبحت تلك الدجاجة التي كانت تبيض ذلك البيض وأكلت لحمها‏.‏

فالتقيا للقتال بناحية خراسان مما يلي الحرز‏.‏

 ذكر نبذ من أحوال الإسكندر

قد ذكرنا أن هذا الإسكندر هو ابن فيلبوس وبعضهم يقول‏:‏ ابن بيلبوس بن مطريوس‏.‏

ويقال‏:‏ ابن مصريم بن هرمس بن هردسر بن مسطون بن رومي بن يلظي بن يونان بن يافث بن توبة بن سرحون بن رومية بن يرثط بن توفيل بن زوفي بن الأصفر بن أليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام‏.‏

ولما هلك دارا ملك الإسكندر ملك دارا فملك العراق والروم والشام ومصر وعرض جنده بعد هلاك دارا فوجدهم ألف ألف وأربع مائة ألف رجل منهم من جنده ثمانمائة ألف ومن جند دارا ستمائة ألف‏.‏

فجلس على سريره وقال‏:‏ أدالنا الله من دارا ورزقنا خلاف ما كان يتوعدنا به وهدم ما كان ببلاد الفرس من المدن والحصون وبيوت النيران وقتل الهرابذة وأحرق كتبهم ودواوين دارا واستعمل على مملكة دارا رجلًا من أصحابه وسار إلى أرض الهند فقتل ملكها وفتح مدينتها‏.‏

ثم سار منها إلى الصين وصنع بها كصنيعه بالهند ودانت له عامة الأرض وملك الصين والتبت‏.‏

أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال‏:‏ أنبأنا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال‏:‏ حدثني أبو الفرج الأصفهاني قال‏:‏ قرأت في بعض كتب الأوائل أن الإسكندر لما انتهى إلى ملك الصين أتاه صاحبه وقد مضى من الليل شطره وقال له‏:‏ هذا رسول ملك الصين بالباب يستأذن عليك فقال‏:‏ احضروه‏.‏

فوقف بين يديه وسلم ثم قال‏:‏ إن رأى الملك أن تخليني فأمر الإسكندر من بحضرته من أصحابه فانصرفوا وبقي صاحبه فقال‏:‏ الذي جئت فيه لا يحتمل أن يسمعه غيرك‏.‏

فقال الإسكندر فتشوه ففتش فلم يصب معه حديد فوضع الإسكندر بين يديه سيفًا وقال له‏:‏ كن بمكانك وقل ما شئت وخرج كل ما كان عنده فقال‏:‏ قل‏.‏

فقال له‏:‏ إني أنا الملك لا رسوله وقد جئتك أسألك عما تريد مما يمكن عمله ولو على أصعب الأمور فإني أعمله فأغنيك عن الحرب فقال له الإسكندر‏:‏ ما آمنك مني قال‏:‏ علمي بأنك رجل عاقل وليس بيننا عداوه ولا مطالبة قد حل‏.‏

وأنت تعلم إنك إن قتلتني لم تحظ بطائل ولم يكن سببًا لأخذ مملكة الصين ولم يمنعهم قتلي أن ينصبوا لأنفسهم ملكًا ثم تنسب أنت إلى غير الجميل وصيد الحريم‏.‏

فأطرق الإسكندر وعلم أنه رجل عاقل فقال‏:‏ الذي أريد منك ارتفاع مملكتك لثلاث سنين عاجلًا ونصف ارتفاع مملكتك في كل سنة فقال‏:‏ هل غيرذلك شيء قال‏:‏ لا قال‏:‏ قد أجبتك قال‏:‏ كيف يكون حالك حينئذ قال‏:‏ أكون قتيلًا وأكلة كل مفترس‏.‏

قال‏:‏ فإن قنعت منك بارتفاع سنتين كيف يكون حالك قال‏:‏ أصلح مما كانت قال‏:‏ فإن قنعت منك بارتَفاع سنة قال‏:‏ يكون ذلك كمالًا لأمر ملكي ومذهباٌ جميع أذاني قال‏:‏ فإذا اقتصرت منك على النصف من ارتفاع السنة قال‏:‏ يكون الملك ثابتًا وأسبابه مستقيمة قال‏:‏ فإذا اقتصرت منك على ارتفاع الثلث قال‏:‏ يكون السدس وقفًا ويكون الباقي لجيشي وأسباب الملك‏.‏

قال‏:‏ فقد اقتصرت منك على هذا فشكره وانصرف‏.‏

فلما طلعت الشمس أقبل جيش الصين حتى طبق الأرض وأحاط بجيش الإسكندر حتى خافوا الهلاك فتواثب أصحابه فركبوا الخيل واستعدوا للحرب‏.‏

فبينما هم كذلك إذ طلع وعليه التاج فلما رأى الإسكندر ترجل له فقال له الإسكندر‏:‏ غدرت قال‏:‏ لا والله قال‏:‏ فما هذا الجيش قال‏:‏ أردت أن أريك أنني لم أطعك عن قلة وضعف وأنت ترى الجيش وما غاب عنك أكثره ولكن رأيت العالم الكبير مقبلًا فملكنا لك ممن هو أقوى منك وأكثر من عددك ومن حارب العالم الكبير غلب وأردت طاعته بطاعتك والذلة بأمره بالذلة لك‏.‏

فقال الإسكندر‏:‏ ليس مثلك من يؤخذ منه خراج فما رأيت بينيِ وبينك أحدًا يستحق الفضل والوصف بالعدل غيرك فقد أعفيتك من جميع ما أردته منك وأنا منصرف عنك‏.‏

فقال له ملك الصين‏:‏ أما إذا فعلت ذلك فليس بحسن‏.‏

ثم انصرف الإسكندر فبعث إليه ملك الصين هدايا أضعاف ما كان قرر معه‏.‏

وكان أرسطاطاليس مؤدب الإسكندر فىِ صغره فقال له ولصبيان معه‏:‏ أي شيء تعملون إذا ملكتم فكل واحد بذل من نفسه شيئًا فقال الإسكندر‏:‏ أعمل حسب ما يوجبه الوقت ويقتضيه العقل فقال له‏:‏ أنت أدرى بالرئاسة والملك‏.‏

فلما ملك الأسكندر كان أرسطاطاليس له كالوزير يكاتبه ويعمل برأيه فكتب إليه‏:‏ إن في عسكري جماعة لا آمنهم على نفسي لبعد هممهم وشجاعتهم ولا أرى لهم عقولًا تفي بتلك الفضائل‏.‏

فكتب إليه‏:‏ أما ما ذكرت من بعد هممهم فإن الوفاء من بعد الهمة‏.‏

وأما شجاعتهم ونقص عقولهم فمن هذه حاله فَرَفِّهْهُ في معيشته وأخصصه بحسان النساء فإن رفاهية العيش توهي العزم وتحبب السلامة وليكن خلقك حسنًا تخلص لك النيات ولا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوساط رعيتك مثله فليس مع الاستئثار محبة ولا مع المواساة بغضة‏.‏

واعلم أن المملوك إذا اشترى لا يسأل عن مال سيده وإنما يسأل عن خلقه‏.‏

وهذا أرسطاطاليس كان من كبار الحكماء قال يومًا أفلاطون لأصحابه‏:‏ ما العجب فتكلموا فقال أرسطاطاليس‏:‏ ما ظهر وخفيت علته قال‏:‏ أنت أفضل الجماعة‏.‏

وكان أرسطاطاليس يقول‏:‏ لكل شيء صناعة وصناعة العقل حسن الاختيار‏.‏

وقال‏:‏ إعصَ الهوى وأطع من شئت‏.‏

وقيل له‏:‏ ألا تجتمع الحكمة والمال فقال‏:‏ آخر الكمال‏.‏

وكتب إلى بعض ملوك يونان وكان مستهترًا باللعب‏:‏ إذا علمت الرعايا تسليط الهوى على الملك تسلطت عليه فاقهر هواك تفضل حكمتك والسلام‏.‏

فكتب الملك‏:‏ أيها الحكيم إذا كانت بلادنا عامرة وسبلنا آمنة وعمالنا عادلة فلم تمنع لذة عاجلة‏.‏

فكتب إليه‏:‏ إنما تمهدت الأمور على ما ذكرت بيقظتك بالحكمة دون غفلتك باللذة فما أخوفني أن تهدم ما بنته الحكمة ما جنته الغفلة‏.‏

فأقبل الملك على السياسة‏.‏

وقد ذكر بعض من لا يعلم إن الإسكندر هو الذي دخل الظلمات وهذا غلط وإنما أشكل عليهم لاشتراك الاثنين في الإسم والتسمية بالإسكندر‏.‏

وقد ذكرنا خبر ذاك في زمن إبراهيم الخليل وإنه عاش ألف سنة وستمائة سنة وهذا اليوناني عاش ستًا وثلاثين سنة‏.‏

وملك ثلاث عشرة سنة وأشهرًا وبنى مدنًا كثيرة وتوفي في بعض قرىَ بابل‏.‏